• Aliah Yacoub

الوعي 101: ما هي الكواليا؟




هل سبق لك أن وقعت في الحب؟



ما السبب وراء هذا الانجذاب شبه الجسدي إلى أحدهم؟ هل الحب شعور ذاتي "عقلي" أم أنه ظاهرة عصبية؟ أهو أحد تلك التفاعلات الكيميائية المعقدة؟





ربما ينتابك الآن شعور بالغرابة، فكيف لمقالةٍ عن الوعي أن تبدأ بكلامٍ مثل هذا. كيف لحياتك العاطفية أن تكون ذات أهمية لمن يُفترض كونها "فيلسوفة ذكاء اصطناعي" تعمل في شركة ناشئة مهتمة بالتكنولوجيا؟ والأهم من ذلك، ما دخل هذه الصورة الدعائية لسعاد حسني بكل هذا؟


لا تتعجل في حكمك - ليس الهدف من هذه المنصة الحديث عن الرومانسية ورهافة الحس. فقط تحملني قليلًا وسوف نتبيّن الأمر معًا.


خلال حملتنا الترويجية، ذكرنا بعض التلميحات عمّا تعنيه كلمة "كواليا"، وعن المواضيع التي ستغطيها سلسلتنا الأولى. ولتوضيح الأمر، فقد اختتمنا المقال الأخير بملاحظة تنذر بالكثير، ألا وهي: "هل أنت مستعد لإعادة التفكير فيما إذا كان للوعي وجود أصلًا؟".


دعونا نقسّم المقال إلى ثلاثة أسئلة: (1) ما هي الكواليا؟ (2) ما الرابط بينها وبين مشكلة التنظير للوعي؟ (3) كيف تشكل الكواليا عقبة أمام تطوير الذكاء الاصطناعي؟


1- ما هي الكواليا؟

إن أردنا استعارة كلمات الرجل الأبيض العجوز نفسه، كما في المرة السابقة، فإن مصطلح "الكواليا" هو "مصطلح غير مألوف لشيء نألفه جميعنا بشدة؛ فالكواليا هي الطرق التي تتبدّى لنا بها الأشياء". (دينيت، 1985)

أمّا إن أردنا استعارة كلمات من تفوقه شهرة بكثير، وهي سعاد حسني، فإن "الكواليا" تشير إلى ذاتية واستثنائية شعورنا بأن "الحياة بقى لونها بمبي".


حسنًا، لنتحدث بجدية أكثر، ما هي "الكواليا"؟


تشير الكواليا (ومفردها كويل (Quale)) إلى الجوانب الاستثنائية لحياتنا العقلية التي لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق التأمل الذاتي. أعلم أن هذا التفسير، كما هو الحال مع معظم المصطلحات الفلسفية، يجعل المصطلح أكثر إرباكًا. لذا، دعونا نستعين بمثال:


"انظر إلى كوب الحليب عند غروب الشمس؛ فإن الطريقة التي يتبدّى لك بها، أي إبصار كوب الحليب بهذا الشكل الخاص والشخصي والذاتي هو الكويل الخاص بتجربتك البصرية في تلك اللحظة. أمّا مذاق الحليب الذي يختلف من شخصك لشخصٍ آخر، فهو كويل آخر، كويل المذاق. وصوته وأنت ترتشفه إنما هو كويل سمعي. تعد هذه "الخصائص المتنوعة للتجربة الواعية" أمثلة رئيسية للكواليا. وعلى ما يبدو فإنه ما من شيء وثيق الصلة بك لتعرفه أكثر من الكواليا الخاصة بك". (دينيت 1985، التأكيد مُضاف)

وفقًا لهذا الفهم، فمن النادر أن تجد خلافًا بشأن وجود الكواليا من عدمه. فمَن منّا لم يشعر بالألم أو المتعة، ومَن منّا لم يخالجه ذلك الشعور الذي نشعر به عند تمرير أصابع أقدامنا ​​عبر الرمال، ومَن منّا لم تغمره مشاعر جيّاشه بعد الاستماع إلى أداجيو الوتريات (Adagio for Strings) للمرةٍ الأولى!


إذا كان الأمر ما يزال ملتبسًا دعونا نستعرض مثل "ماري عالمة الأعصاب". إذا كنت تتذكر، فقد استخدمنا في حملتنا الدعائية (الشكل 1) بعض الصور الكرتونية لامرأة وتفاحة. إذ كنّا نشير في هذا الإعلان إلى تجربة فكرية شهيرة غالبًا ما يستخدمها فلاسفة العقل. دعونا نستعرض تلك التجربة في أحد أشكالها:


الشكل 1

- ماري هي عالمة ألوان تعيش منذ ولادتها في غرفة لا تحتوي من الألوان إلا الأبيض والأسود.

- تعلمت كل ما يمكن معرفته عن الألوان - فهي تعرف جميع الأوصاف الفيزيائية لمختلف الأطوال الموجية. ونظرًا لـ "معرفتها" بالألوان فهي تعرف "كل الحقائق الفيزيائية الخاصة بتجربة اللون لدى الأشخاص الآخرين، بدءًا من السلوك الذي من المرجح أن يستحثّه لون معين، وانتهاءً بالتسلسل المحدد للأعصاب التي يتم تحفيزها عند مشاهدة لون معين" (جاكسون، 1982).

ذات يوم تركت ماري غرفتها التي لم تكن تحتوى من الألوان إلا على الأبيض والأسود ورأت تفاحة حمراء.


(1) هل ستختبر أو تتعلم شيئًا جديدًا عن الألوان نتيجة رؤيتها التفاحة الحمراء لأول مرة؟ (2) أم أن المعرفة جميعها، بما في ذلك كل ما هو "عقلي"، فيزيائية بالكامل؟




إن كنت ترى أن (1) ماري ستكتشف شيئًا جديدًا عندما تواجه الألوان لأول مرة، فإنك ترى أن المعرفة لها جانب ذاتي واختباري - أي أن المعرفة ليست "فيزيائية" فحسب، وأن هناك شعورًا ما يصاحب كونك في حالة "عقلية" معينة. بعبارة أخرى، فإنك بذلك ترى أن الكواليا لها وجود. فهناك شيء بداخلنا، حياة داخلية ملوَّنة بالتجارب التي نعايشها.


هل بدأت في رؤية علاقة ذلك بالذكاء الاصطناعي؟ تلميح: إذا لم تكن المعرفة جميعها تتكون من حقائق فيزيائية، أي إذا كان هناك ما هو أكثر من ذلك، فكيف يمكن للآلة أن تكون مثلنا؟


2- الكواليا والوعي


لماذا كل هذا الحديث عن الكواليا؟


لفترة طويلة، لم يشكك أحد في حقيقة أنه ما من شيء وثيق الصلة بك لتعرفه أكثر من الكواليا الخاصة بك (فهي خصائص تجربتنا المعيشية "الواعية").


ثمة يقين بداخلنا أن وجودنا حقيقي، وحتى وإن كانت حقيقة الواقع بأكمله عبارة عن محاكاة حاسوبية مثلما رأينا في فيلم "The Matrix"، أو أن ذلك الواقع هو وهم كبير وشاسع من نسج خيال شيطان شرير، فسنظل على يقين من وجودنا لأننا "مدركون". وهذا هو المعنى الجوهري للاقتباس الشهير للفيلسوف وعالم الرياضيات رينيه ديكارت (والذي غالبًا ما يُستخدم بشكلٍ خاطئ): "أنا أفكر، إذن أنا موجود" (باللاتينية "Cogito ergo sum").


لكن هذه الفكرة تحديدًا، القائلة بأننا كائنات "واعية" ذات كواليا/تجارب معيشية، إنما هي في حقيقة الأمر فكرة مثيرة للجدل. فرغم أن تقدُّم الأبحاث العصبية على مدى العقود الماضية سمح لنا بالكشف عن الأساليب التي تعمل بها بعض وظائف الدماغ لدينا، وشرح لنا أشياء مثل الرؤية ونطق الكلام والسمع، تظل الحقيقة الراسخة أنه ما من اتفاق حول ماهية الوعي.


ما من أحد يعرف بالضبط كيف تؤدي الخصائص الفيزيائية إلى كل ما هو عقلي - إلى التجربة الواعية بأكملها.

الشكل 2

ماذا إذا كان الوعي أو "الروح" منفصلين عن الجسد؟ إذا لم تكن الكواليا ناتجة عن الخصائص الفيزيائية، أي إذا كان الوعي الذاتي غير معتمد على الدماغ المادي، فمن الممكن إذن أن يوجد "كائنات زومبية فلسفية". فالزومبي الفلسفي، وفقًا لديفيد تشالمرز، هو عبارة عن نسخة من الإنسان ولكن بدون أي كواليا على الإطلاق.


قد يتصرف هذا الزومبي بطريقة مشابهة تمامًا لطريقة الشخص العادي ولكن دون أن يكون له "حياة داخلية" أو تجربة معيشية ذاتية. إن كان الأمر كذلك، فهل سنستطيع حينها معرفة ما إذا كان لهذا الكائن كواليا؟ (تشالمرز، 1996).


هل الأمر كله ميكانيكي - فيزيائي فقط؟ أم أن هناك فرقًا ما بين العقل والجسد؟ هل هذان هما الخياران الوحيدان لدينا؟ هل ثمة وجود للوعي بالأساس أم أننا نختلق "مباحث لإثارة الجدل"؟


مشكلة العقل/الجسد "القديمة":



جاءت إجابة ديكارت عن هذا السؤال (ومن ثم "الديكارتية" في الشكل 3) في شكل ثنائية الجوهر. إذ كانت المشكلة في ذلك الوقت تتعلق بالعلاقة بين الفكر أو الوعي في العقل البشري من ناحية والجسم المادي أو الدماغ من ناحية أخرى.


فمن يقول بالثنائية يرى أن هناك فرقًا واضحًا بين المادة والعقل (الجسدي والعقلي)، أمّا من يقول بالأُحادية فيرى أنه لا يوجد إلا "حقيقة موحّدة" واحدة (جوهر أو روح أو مادة) يمكن من خلالها تفسير كل شيء آخر. كما أن الأُحاديين الماديين (الذين يرون أن كل ما هو "عقلي" يعتمد على الخصائص الفيزيائية فحسب) يواجهون مجموعة متنوعة من المسائل. فعلى سبيل المثال: إن دخل شخص ما في غيبوبة، أي توقفت وظائف الدماغ عنده وصار "فاقدًا للوعي"، هل يُعدّ حينها بلا "روح" إذن؟


أمّا إذا كان للوعي طابع ذاتي أصيل - شعور ما مصاحب كما يقول توماس نيجل -، أي إذا "سلّمنا بأن النظرية الفيزيائية للعقل عليها أن تفسر الطابع الذاتي للتجربة، فعلينا أن نعترف بأننا نفتقد حاليًا للتصوّر الذي من شأنه أن يساعدنا في القيام بذلك". (تاي، 2000)


ثمة أنواع مختلفة من الثنائيات حين يتعلق الأمر بمشكلة العقل/الجسد. لكن يكفينا هنا أن نقول إن المختلف بين أنواع الثنائيات المختلفة هو درجات اعتماد الذهني والجسدي على بعضهما البعض.


(طالع بعض النظريات المعاصرة مثل: التفاعلية (Interactionism)، والظاهراتية المصاحبة (Epiphenomenalism)، والتوازي النفسي الجسدي (Psychophysical Parallelism)، وازدواجية الاعتبار (Double Aspectism)، والانسجام الأزلي (Pre-established Harmony)، ومذهب المناسبة (Occasionalism)).


3. حدود الوعي والذكاء الاصطناعي

في مقالتنا الأخيرة، تحدثنا باستفاضة عن الفرق بين الذكاء الاصطناعي (AI)، والذكاء العام الاصطناعي (AGI)، وتعلّم الآلة. كما أشرنا إلى أن هناك بعض الاختلاف الدلالي بين الإدراك البشري والوعي والذكاء، دون أن نتناول مكمن التباين بالشرح الكامل.


وددت لو كان باستطاعتي الكشف بشكلٍ حاسم عن ماهية الاختلاف بينهم، ولكن الحقيقة هي أن أي محاولة لتعريف هذه المصطلحات ستعتمد في الغالب على المدرسة الفكرية التي ستنظر من زاويتها عند التفكير في مشكلة العقل/الجسد أو "معضلة الوعي".


على سبيل المثال، إذا كنت مؤيدًا لـ "المادية الإقصائية" (eliminative materialism)، فستجادل بأنه "ربما" لا يوجد شيء اسمه الوعي - أي أن مفهوم "الوعي" لا يشير إلى أي شيء، وأننا قد بالغنا بشكل خاطئ في التنظير له.


يعتقد البعض أن الوعي يجب اعتباره مصطلحًا عفا عليه الزمن - فهو لا يشير إلى أي شيء بل يحيّرنا فحسب -، وبالتالي فهم يختارون أن يطلقوا على جميع الأفعال الإدراكية البشرية في مجملها اسم "الإدراك". كما أن أولئك الذين يؤمنون بهذا الرأي يؤكدون أن هناك جوانب من الإدراك البشري منغلقة أمامنا إبستمولوجيًا - أي أننا غير قادرين على اكتساب أي معرفة عنها.


أمّا البعض الآخر فيعتقدون أن قدرتنا على أن نكون فاعلين "أذكياء" لهو أمر يفرضه علينا وجودنا الواعي. والسؤال هنا: إذا كان "الوعي" وحده هو ما يمكننا من أن نكون أذكياء، فماذا عن الذكاء الاصطناعي إذن؟


إن كان الأمر بهذا التشابك المزعج، فما الذي نحاول أن نفعله هنا؟


إن الغرض من هذه النظرة المبالغة في التعميم لتلك الأسئلة الكامنة وراء نظريات العقل هو مجرد تعريفك بالموضوع المطروح. لا تقلق، في مقالتنا التالية سنقدم عرضًا مناسبًا لأهم نظريات العقل دون الكثير من المقدمات والتمهيدات.

حتى ذلك الحين، أدعوكم إلى التفكير في أفضل السبل للإجابة عن مشكلة العقل/الجسد، وفي كيفية التعامل مع تطوّر الذكاء الاصطناعي رغم ضبابية معرفتنا للفروق الدقيقة في نظيره البشري.


إذا قرأ أحد المختصين في فلسفة العقل ذلك المقال، فسيرى أنني ارتكبت جرمًا في حق هذا المجال بإهمالي الفج لكثير من الفروق الدقيقة فيه. ولكن، مهلًا، ألسنا هنا للتبسيط والتثقيف!




ترجمة/ شريف مجدي


Synapse Analytics is on LinkedIn, Facebook, and Instagram.

124 views

Recent Posts

See All